إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم.
MEN MAKE THEIR OWN HISTORY, BUT THEY DO NOT MAKE IT AS THEY PLEASE.
في كتاب المانيفستو الشهير، استعرض كارل ماركس هيكل الصراع الطبقي، ولكن في كتابه السياسي الألمعي “الثامن عشر من برومير لوي بونابرت” (The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte) الصادر عام 1852، قدم ماركس أحد أعمق أطروحاته الفلسفية حول الفاعلية البشرية والظروف التاريخية. صاغ ماركس مقولته المضيئة: “إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم؛ إنهم لا يصنعونه بملء إرادتهم وفي ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف قائمة ومُعطاة ومُنقولة من الماضي مباشرة”.
تُمثل هذه المقولة التوازن الدقيق في الفلسفة الماركسية بين “الحتمية المادية” و”الفاعلية الإنسانية”. فهي تتصدى في وقت واحد للإفراط في الفردانية المثالية التي تجعل من العظماء صُنّاعاً مطلقين للقدر، وللإفراط في الحتمية الجبرية التي تحوّل الإنسان إلى مجرد أحجار على شطرنج المادة والتطور الاقتصادي.
أبرز المحاور الرئيسية (Key Takeaways):
- الفاعلية الاجتماعية المقيدة: يمتلك البشر القدرة على التغيير والابتكار الاجتماعي، إلا أن خياراتهم تظل محكومة بالشرط المادي والموروث الثقافي.
- ثقل الماضي الهيكلي: كوابيس أجيال الأموات تضغط بكل ثقلها على عقول الأحياء، مما يفرض أشكالاً أيديولوجية جاهزة عند حدوث الأزمات.
- السياق التاريخي للنص: كتب ماركس هذا النص لتحليل صعود لويس بونابرت (نابليون الثالث) لل his سلطة عبر انقلاب، مبيناً كيف وظف الرموز التاريخية لعمّه نابليون بونابرت.
- التطبيقات الحديثة: يُستخدم هذا المبدأ اليوم في علم الاجتماع السياسي والتحليل الثقافي لتفسير نجاح وفشل الثورات والحركات الاجتماعية.
1. السجال الفلسفي: الحرية المقيدة والفاعل التاريخي
يطرح ماركس في هذا النص إشكالية “الفاعل والتركيب” (Agency and Structure) التي تُعد من أمهات القضايا في علم الاجتماع المعاصر. هل الإنسان هو من يخلق المؤسسات، أم أن المؤسسات هي التي تصيغ الإنسان؟
الجواب الماركسي مركب: الإنسان هو الصانع والفاعل الأصلي، لكن إمكانيات الفعل المتاحة أمامه ليست غير محدودة. فاللغة التي يتكلم بها، وأدوات الإنتاج المتاحة في عصره، والمؤسسات السياسية التي ولد فيها، تضع الحدود الفاصلة لما يمكن وما لا يمكن تحقيقه في لحظة تاريخية معينة.
أبعاد القيود المادية والتاريخية وفقاً لماركس
- القيد الاقتصادي: مستويات نمو القوى الإنتاجية وطبيعة التقنية المتاحة تحدد سقف التغيير الممكن.
- القيد الثقافي والأيديولوجي: تراكم الأفكار والتقاليد والأديان التي ورثتها الطبقات من أجدادها تؤثر في رؤيتها للمستقبل.
- القيد المؤسسي والسياسي: توازنات القوى بين الطبقات ومؤسسات الدولة القائمة تقاوم أو تسهل التحول الاجتماعي.
2. شبح الماضي والتنكر التاريخي
يضيف ماركس في الكتاب ذاته عبارة تشريحية رائعة: “إن تقاليد جميع الأجيال الغابرة تزن كالكابوس على أدمغة الأحياء”. ويشرح كيف أنه عندما يقدم البشر على إحداث ثورة وتغيير أنفسهم وتغيير الأشياء، فإنهم في لحظات الأزمات الثورية هذه يسارعون بوجل إلى استحضار أرواح الماضي ليستعيروا منها الأسماء والشعارات والملابس كي يظهروا في هذا المسرح التاريخي التليد.
هكذا استعار الثوار الفرنسيون عام 1789 أزياء وشعارات الجمهورية الرومانية، وهكذا استدعى لويس بونابرت عام 1851 أمجاد عمّه نابليون الأكبر ليبرر استبداده. يُظهر ماركس هنا كيف يستغل الفاعلون التاريخيون الأوهام القديمة للتغطية على مضامين التغيير المادي الجديد.
3. مقارنة المدارس الفلسفية حول تفاعل الإنسان مع التاريخ
يقدم الجدول أدناه مقارنة تحليليّة لكيفية تفسير التيارات الفكرية المختلفة لمدى قدرة الإنسان على التغيير وصنع مستقبله:
| المدرسة الفلسفية | دور الإرادة البشرية | المحرك الأساسي للتاريخ |
|---|---|---|
| المثالية المطلقة (هيجل) | ثانوية وتخدم الفكرة المطلقة | تطور “الروح” والوعي الذاتي للأفكار |
| الإرادوية / الفردانية المطلقة | مطلقة وصانعة بالكامل للأحداث | أفكار وعزيمة “القادة والعظماء” |
| المادية التاريخية (ماركس) | فاعلة ولكنها مشروطة ومقيدة مادياً | تطور القوى الإنتاجية والصراع الطبقي |
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س: ما المناسبة التي كتب فيها ماركس هذه العبارة؟
كتبها ماركس في مقالته التحليلية “الثامن عشر من برومير لوي بونابرت” عام 1852، لتفسير كيف استطاع شخص مثل لويس بونابرت (الذي اعتبره ماركس شخصية ضئيلة) أن يستولي على السلطة في فرنسا عبر انقلاب عام 1851، مستغلاً التناقضات الطبقية وإرث نابليون الأول.
س: هل تعني هذه المقولة إلغاء المسائل الفردية والشخصية؟
لا، المقولة لا تنفي أثر الفرد أو إرادته، بل تضع هذا الأثر في نطاق إمكانياته الحقيقية. الشخصية القيادية يمكنها تسريع أو إبطاء مجرى الأحداث، ولكن لا يمكنها خرق الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تتيح للحدث أن يحدث في الأصل.
س: كيف تُطبق هذه المقولة على الثورات والتغييرات الحديثة؟
تُشير المقولة إلى أن نجاح الثورات الحادّة لا يتوقف على نبل أهداف الفاعلين أو صدق نياتهم فحسب، بل على مدى جاهزية البنية الاجتماعية والاقتصادية للتحول، وهو ما يفسر تعثر العديد من التغييرات السياسية التي تجري دون مراعاة الظروف المادية والواقعية المحيطة.
Sign in to cast the vote